ابن النفيس

17

المختار من الأغذية

« يا خالق الكون ، يا قدوس ، إذا شاء عبد من عباد اللّه أن يمارس فن العلاج ، فأي الناس يجب أن يجرّب فيهم حذقه ؟ أيجربه في عباد أهورامزدا أم في عبدة الشيطان ؟ فأجاب أهورامزدا بقوله : يجب أن يجرّب نفسه في عبدة الشياطين لا في عباد اللّه ، فإذا عالج بالمبضع عبدا من عبدة الشياطين فمات ، وإذا عالج بالمبضع عبدا ثانيا من عبدة الشياطين فمات ، وإذا عالج ثالثا عبدا من عبدة الشياطين فمات ؛ كان غير صالح أبد الدهر ، ويجب أن يمتنع عن علاج أي عبد من عباد اللّه . وإذا عالج بالمبضع عبدا من عبدة الشياطين وشفي ، وإذا عالج بالمبضع عبدا ثانيا من عبدة الشياطين وشفي ، وإذا عالج بالمبضع عبدا ثالثا من عبدة الشياطين وشفي ؛ كان صالحا أبد الدهر ، وكان له إذا أراد أن يعالج عباد اللّه ، ويشفيهم من أمراضهم بالمبضع « 1 » » . وعلى هذا النحو السابق ، استقر في الوجدان الطبي منذ وقت مبكر إباحة تجريب الدواء على فئة معينة ، وهو أمر سوف يعاود الظهور في مراحل تاريخية تالية ، تختلف فيها الفئات التي يجري عليها التجريب ، فآونة على المحكوم عليهم بالإعدام ، وآونة تالية على الحيوانات في المعامل الطبية ، وأخيرا على شعوب العالم الثالث . * * * ونأتي لآخر الحضارات التي نتعرض لها هنا ، وهي الحضارة اليونانية . تلك الحضارة ( المدلّلة ) التي أفاض المؤرخون الغربيون في الكلام عنها ، وأصرّ كثير منهم على أنها ( بداية العلم ) بمعناه الحقيقي ، مما جعلهم يصرّون على تجاهل إسهامات الحضارات الأخرى السابقة عليها ، ويقلّلون من تأثيرها في حضارة اليونان . ازدهر الطب اليوناني في فترتين ، يمثل كل فترة منهما طبيب مشهور : الأول أبقراط الكوسي HiPPocrates of Cos المتوفى 370 قبل الميلاد ، والثاني جالينوس المتوفى 200 بعد الميلاد . وكلاهما من أسرة أسكليبوس AsclePius الذي جعله اليونانيون إلها للطب تتوارثه أسرته من بعده . ظل الطب اليوناني مرتبطا بالخرافة حتى عصر أبقراط ، وكان كهنة هيكل أسكليبوس يقومون بعلاج المرضى عن طريق ( الحضانة الروحية ) التي تتجلى فيها

--> ( 1 ) ديورانت : قصة الحضارة 2 / 446 .